الإصلاح والتغيير بمنظور إسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

الإصلاح والتغيير بمنظور إسلامي

         الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على سيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد..

فإن السمة الغالبة التي تميزت بها الفترة السابقة على مستوى العالم ككل، هي ارتفاع وتيرة التذمر والتململ من الظروف الآخذة في السوء في معظم بلدان العالم، بما في ذلك البلدان المتقدمة. وقد تباينت ردود فعل الشعوب والأفراد على تلك الظروف، حيث تراوحت بين التسليم على مضض وبين الاحتجاج المعتدل حينا والمتطرف أحيانا أخرى.

وفي مايلي بعض النصوص الإسلامية التي تناولت قضية التغير والتغيير في الظروف المحيطة بالإنسان، سواء أكان منشأ هذه الظروف عوامل طبيعية أو بشرية، والله الموفق.

قال تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {41} الروم، وقال أيضا: “وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ {30} الشورى. وقال جل وعلا: “ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.

وقال أيضا: ” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” الرعد.

أخبرت الآيات الكريمة، أن كل ما يطرأ على الظروف المحيطة بالفرد أو المجتمع، إنما هو نتاج التغيرات التي طرأت على الصفات الذاتية أو الداخلية لهذا الفرد أو ذلك المجتمع، كما أن أي مسعى لتغيير هذه الظروف أو إصلاحها، لا بد أن يبدأ بتلك الصفات، وإلا فإنه لن يؤدي إلا إلى ازدياد الأوضاع سوءا، أو نقل المعاناة من شكل إلى آخر.

وعلى الرغم من دلالة الآيات السابقة على المعنى السابق، ووجوب اعتماده من قبل كل مسلم في أي محاولة للإصلاح والتغيير، إلا أن العقبة الرئيسية التي قد تعترض هذا التوجه، هي صعوبة اقناع الكثير من المسلمين – سيما في عصرنا الحاضر- بأن هذه المقدمات سوف تؤدي إلى تلك النتائج. وليست هذه الصعوبة طارئة، بل حتى في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت هذه الصعوبة موجودة وحاضرة، ويصور ذلك مشهد غزوة الخندق: “حين احتفر النبي (صلى الله عليه وسلم) الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، وأخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها يعني المدينة حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فكذلك ثم الثالثة فكذلك وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور فقال لقد أضاء لي من الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فاخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كانها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فابشروا واستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صادق، قال ولما طلعت الاحزاب قال المؤمنون هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما، وقال المنافقون يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزل فيهم “واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا”.

فلم يكن تصديق تلك الوعود – في ضوء الواقع ومعطيات ذلك الزمان – سهلا لولا الإيمان القوي لصحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقديمهم موعود القرآن على منطق المحسوس والوقائع الملموسة، وقد أثبت التاريخ لاحقا صدق المنطق الأول، فها هو ذا الصحابي الجليل عتبة بن غزوان، يعبر عن تلك الملحمة الخارقة بعبارات غاية في البلاغة والإيجاز إذ يقول: “ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة وأنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما لنا طعام إلا ورق السمر حتى تفرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بينى وبين سعد، فما منا من اولئك السبعة من احد الا هو امير على مصر من الامصار”.

والجدير بالذكر أن المنهج السابق يختلف اختلافا كبيرا عن غيره من المناهج المتبعة في التغيير، فعلى صعيد التطبيق، نجد أن هذا المنهج أبعد منالا وأشد صعوبة من الطرق الجزئية التي اختارها كثير من المسلمين هذه الأيام واتخذوها سبيلا للتغيير، ويعبر عن ذلك الفرق قول التابعي الجليل، الذي رفعه بعض الرواة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مخاطبا العائدين من إحدى الغزوات بقوله: “قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: مجاهدة العبد هواه”.

وعلى صعيد النتائج يكفي أن نفترض (مثلا) أن اليهود قرروا الجلاء عن فلسطين وتركها للمسلمين، فإن ذلك لن يكون إلا خلاصا جزئيا ونصرا هشا، لن يلبث أن يضيع في غمرة الواقع المتردي للأمة، في حين لو فرضنا أن الأمة قد تمكنت من العودة إلى تلك الحالة من القوة والمنعة التي كانت عليها صدر الدولة الإسلامية، فإن قضية كالقضية الفلسطينية لن تستغرق في حلها سوى بضع ساعات.

فأي انتصار قد يحققه المسلمون هنا أو هناك يظل هامشيا، بالمقارنة مع الانتصار الأهم والأكبر، والذي هو وصول المجتمع والأمة إلى مرحلة التفوق والمنعة. و لا يفهم من ذلك أن المقصود انتقاص عقيدة الجهاد، والتي هي ذروة سنام الإسلام بلا منازع، ولكن هذه العقيدة المحورية ما هي إلا حلقة في تلك السلسلة الطويلة والمترابطة من حلقات الشريعة الإسلامية، والتي يترتب على الاقتصار عليها والتقصير في الحلقات الأخرى أن تأتي النتائج بتراء مشوهة. كما أن ذلك يعطي تفسيرا لما نراه اليوم من تكدس الجيوش والأسلحة، دون أن تفلح هذه الحشود في بلوغ معشار ما حققته سرايا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه من بعده.

 

تلميح (1): لا بد من التأكيد على أن التغيير السالف الذكر لا يتم تلقائيا أو بالصدفة، بل إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكد على أهمية الفعل الإيجابي والسلوك المنظم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم”. رواه الدارقطني. فالتغيير المنشود يبدأ حين يقوم الفرد بتجزئة مختلف جوانب حياته إلى تفاصيل وأجزاء صغيرة، ثم يعيد تقييم هذه الأجزاء والتفاصيل وتهذيبها وفقا لمنهج تحدده النصوص الدينية والقيم الإنسانية الأصيلة. وحين تنتقل هذه التجربة الفردية، لتصبح حالة عامة تشمل كامل المجتمع، فإن ذلك يعتبر الخطوة الأولى لهذا المجتمع نحو تحقيق أهدافه والقضاء على معوقات نجاحه.

تلميح (2) : لا يقصد ب”المنهج الذي تحدده النصوص الدينية” قيم الإيمان والكفر وحسب، ولكنه يمتد ليشمل مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والأخلاقية.

وإنما تم التعرض لهذه النقطة أن كثيرا من المسلمين تصده حدة التباين بين المسلمين والغرب عن الربط بين المقدمات المذكورة وبين مسألة التقدم والتخلف، ولكن إذا تذكرنا أن المجتمعات الغربية (بالرغم من بعدها في جوانب معينة من حياتها عن المنهج الإلهي) إلا أنها أقرب لذلك المنهج في كثير من الجوانب الأخرى من الشعوب المسلمة، فإن ذريعة هذا الفصل تزول.

تلميح (3) : من المسائل التي تؤدي إلى عزوف المسلمين عن انتهاج هذا الأسلوب، اعتقاد الكثير من المؤمنين به أنه لا يؤتي أكله إلا إذا تم العمل به على المستوى الجماعي، وهنا نعود للآيات التي بدأنا منها، لنتبين أن العمل الفردي ينفع صاحبه كالعمل الجماعي على حد سواء، ولهذا فإنه لا ينبغي لمسلم أن يتلكأ في تبني هذا النهج، وأن لا يألو جهدا في الدعوة إليه، ولو بإيصال محتوى هذه الرسالة لكل من يعرف، والله الموفق.

نصوص أخرى تؤيد فكرة المقال:

قال تعالى:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {35} المائدة.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (77) الحج.

“وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {31} النور.

“وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ {52} هود.

وكذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

“أيها الناس: توبوا إلى اللَّه قبل ان تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينه وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا” رواه ابن ماجة.

وقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعد تجربته الفريدة مع النصر والنجاح:

“أيها الناس: أصلحوا آخرتكم يصلح الله دنياكم.” (البداية والنهاية).

هذا المقال ذو صلة وثيقة ببقية مقالات المدونة، الرجاء الاطلاع عليها لاستكمال الأفكار واستتماما للفائدة.

رحم الله من أعان على نشرها

“فواللهِ لأنْ يَهدِيَ اللهُ بكَ رجُلاً خَيرٌ لكَ من أن يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَم”

صدق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

 

مدونة “لحياة أكثر سعادة”

http://successway.wordpress.com/

المنتديات

http://succ.hooxs.com/

 w.kanjo@hotmail.com

أرسل تعليقا