بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد…
فإن مفهومي النصر والرزق من المفاهيم الواسعة، التي تتحكم في جوانب جوهرية في حياتنا، وذلك رغم عدم عناية المسلمين بفهم قواعدها والعزوف عن طلب أسبابها، ظنا منهم بأنها لا تمسهم أو لا تعنيهم.
والحقيقة أن لهذين المفهومين أبعد الأثر في حياتنا اليومية، إذ لا يقتصر مفهوم النصر على خطوط القتال مع العدو، بل إنه يمتد ليشمل الكثير من المواقف التي تواجهنا كل يوم، في الحي والمدرسة والجامعة والسوق إلخ، فالنصر ما هو إلا الوصول إلى المراد، والتغلب على الخصوم والمنافسين.
وبالمثل، فإن الرزق لا يقتصر على الحصول على المال، بل هو يشمل كل ميزة يسعد بها الإنسان كالزوجة والذرية الصالحة، والمسكن الواسع المريح، والمركب وغير ذلك مما يتمنى المرء من متاع الدنيا، وهو أيضا يمتد ليشمل الميزات الدينية، كأن يدعو أحدنا بأن يرزقه الله الحج أو الشهادة أو الذكر أوقيام الليل ونحو ذلك.
باختصار، إنك إذا دققت النظر في ما يفعله كل منا منذ أن يستيقظ وحتى آخر لحظة في يومه، فإن تفكيره وهمه وجهوده تكاد لا تخرج عن السعي وراء هاتين الفكرتين، النصر والرزق،
ولذلك، فإنه ليس منا إلا وهو معني بالقواعد التي تحدد من سينصر ومن سيرزق، ولعمري، فإن شبح الفشل حقيق بأن يدفع كل منا لأن يطلب حثيثا كل ما يتصل بأسرار وخفايا هاتين الركيزتين الأساسيتين في حياة كل منا.
لاشك أن الناس اعتنوا وتعارفوا على قواعد وأسباب، سلموا وآمنوا بها، مثل : العمل الدؤوب والاجتهاد،التعلم، السفر، إلخ.. ولكن المتأمل الممعن في النظر سرعان ما يكتشف أن هذه القواعد – رغم تسليم الناس بها وتعارفهم عليها – غير دقيقة وغير واقعية، فكم من ساع كادح مجتهد لم ينل ما يكافئ سعيه واجتهاده، وكم من خامل أتته الدنيا بحذافيرها نحوه تسعى، وليست هذه دعوة للكسل أو التواكل- إذ أن العمل وأداء الرسالة واجب على كل مسلم – ولكنها دعوة لتأييد هذا العمل وتعزيزه بأسباب نجاحه والوصول لهدفه.
في الصفحات القليلة القادمة سنتناول عينة من النصوص الإسلامية التي أرست بعض القواعد في هذا الشأن، وما يميز هذه القواعد أنها غير مقيدة بمكان أو زمان أو ظرف، فالقواعد التي حكمت انتصار المسلمين في معاركهم، هي التي تحكم تفوق الطالب في جامعته، وتغلب التاجر على منافسيه وهكذا، وأوصي إخواني وأخواتي أن تكون قراءة هذه الصفحات ما هي إلا الخطوة الأولى في هذه الرحلة الواجبة والجوهرية في حياة كل منا، رحلة البحث عن الأسباب الحقيقية للنصر والرزق، ومحاولة فهم الأسرار الخفية التي أودعها الله في هذا الكون، ورهن بها النجاح وبلوغ الأهداف، والله الموفق.
أولا: الضعفاء
عن أبي الدَّرداءِ قال: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّم يقول: “ابغُوني في ضعفائِكُمْ، فإنَّما ترزقُونَ وتُنصرونَ بضعفائِكُم”. رواه الحاكم والترمذي وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
والقاعدة التي يقررها الحديث الشريف يمكن قراءتها كما يلي:
“إن مدى نجاح أي جماعة أو فرد، في تغلبه على منافسيه وتحقيقه أهدافه، يتوقف على موقفه من الشريحة المستضعفة في محيطه (أسرته، مكان عمله، مدينته، دولته، أو العالم بأسره(، ودوره تجاه هذه الشريحة، نصرا أو خذلانا، بخلا أو إنفاقا، إساءة أو إحسانا.”
وهذه القاعدة تطبق على الأفراد كما تطبق على الكيانات والجماعات، كالدول والشعوب والأمم.
ومن تطبيقات القاعدة السابقة، القصة التي حصلت “في سنة ست وخمسين وأربعمائة (هـ) حيث اعتمد السلطان (ألب أرسلان) في الوزارة على (نظام الملك)، وكان وزير صدق يكرم العلماء والفقراء. ولما عصى الملك (شهاب الدولة قتلمش) وخرج عن الطاعة وأراد أخذ ألب أرسلان خاف منه ألب أرسلان فقال له الوزير: أيها الملك لا تخف فإني قد استدمت لك جندا ما بارزوا عسكرا إلا كسروه كائنا ما كان. قال له الملك: من هم؟ قال جند يدعون لك وينصرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم وهم العلماء والفقراء الصلحاء. فطابت نفس الملك بذلك فحين التقى مع قتلمش لم ينظره أن كسره وقتل خلقا من جنوده وقتل قتلمش في المعركة واجتمعت الكلمة على ألب أرسلان”. (عن البداية والنهاية لابن كثير).
تلميح(1):
قد يندرج تحت مفهوم الضعفاء بالإضافة إلى الفقراء والمحرومين:
· المعاقين والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة.
· اللاجئين والمنكوبين واللاجئين الذين دفعتهم ظروفهم للقدوم والإقامة في بلد آخر.
·الكائنات الأخرى والبهائم، قال تعالى (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم، مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ {38} الأنعام. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لما سأله الصحابة (رضوان الله عليهم) : يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: (في كل كبد رطبة أجر). رواه البخاري. وكذا في ما بين سطور قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): “ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا”.رواه ابن ماجة.
تلميح (2):
يستطيع المتأمل ان يكتشف بسهولة أن هناك ارتباطا وثيقا بين أخلاقيات كل مجتمع أو جماعة في تعامله مع الشرائح المستضعفة من جهة (إيواء اللاجئين، الرفق بالحيوان، إغاثة الدول المنكوبة وغيرها) ، وبين مستوى رفاهيته وعزته ورفعته من جهة أخرى، وبالعكس يجد تلازما بين الاضطهاد الذي تلقاه هذه الشرائح وبين هوان الشعوب التي لاترعى حق المستضعفين فيها، وللقارئ أن يختار من حوله ما يشاء من نماذج ليقارن بينها (على مستوى الفرد والجماعة أو الشعب)، والله سبحانه وتعالى أعلم.
تلميح (3):
من النصوص التي تقترب في معناها أيضا من القاعدة السابقة، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنما يرحم الله من عباده الرحماء”. (رواه البخاري)، و”من لا يرحم لا يرحم”، و “لا يرحم اللهُ من عباده إلا الرحماء“َ، و”لا يرحم الله من لا يرحم الناس”. رواها البخاري، و” الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم شجنةٌ من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله” رواه الترمذي وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وكذلك مقولة: “كما تكونوا يولى عليكم”.
ثانيا: الرحم ودورها المباشر في حياتنا
قبل أن أبدأ في عرض هذه الفقرة، لا بد من التشديد على الأثر المباشر لصلة الرحم في حياة الأفراد والشعوب والأمم على حد سواء، وهو ما سيبينه العرض التالي لهذه المسألة إن شاء الله، وأنها من المسائل التي بخست حقها من قبل الدعاة، واعتبرها أكثر المسلمين من كماليات الشريعة، وفيما يلي محاولة لبيان خصوصية هذه الشعيرة وتفردها، والله المستعان.
1ً. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مكتوب في التوراة من سره أن تطول حياته ويزاد في رزقه فليصل رحمه”.
وهذا فصل مهم من فصول تفرد هذه الشعيرة، وهو عموميتها وإجماع الأديان السماوية (بل وغير السماوية( على التأكيد عليها.
وثاني ما نلاحظه في هذا النص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتدأ بقوله: “مكتوب في التوراة”، وهذه العبارة تشي بحقيقة هامة جدا، وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يشرح بهذه اللفتة العجيبة اللطيفة، سر ظاهرتين ملفتتين في أمة اليهود، قد تلفتا انتباه كثير من المسلمين دون أن يدركوا لهما تفسيرا وهما:
· طول حياة بني إسرائيل حتى بات يضرب بها المثل.
· الثراء الفاحش لأتباع الديانة اليهودية.
ولولا هاتين الظاهرتين لما قامت لليهود قائمة، ولكن اجتماع هاتين الحقيقتين معا أدى إلى استمرار هذه الشرذمة في طغيانها، رغم تخلف كل أركان البقاء فيها.
وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم – بأبي هو وأمي -، أحب أن يخبر أمته بسر ذلك كله، ويبين لهم أسبابه، صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.
2ً. عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليعمّر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم, قيل وكيف ذلك يا رسول الله قال بصلتهم لأرحامهم.
مجمع الزوائد
وأهم ما نقرؤه في هذا النص، أن الله سبحانه وتعالى (وهو أعلم بحكمته ومراده من وراء ذلك)، قد فصل بين صفة الإيمان وبين نيل ثمرات صلة الرحم، وهذا ما يفسر لنا الانفصال بين الإيمان والنجاح في الحياة الدنيا، ومناقشة هذا الإشكالية مهم وجوهري، فكثير من المسلمين أعرض عن ابتغاء قواعد النجاح في النصوص الإسلامية لاعتقاده أن لا ارتباط بين الأديان وبين النجاح، واستدل على ذلك بأن الكثير من العبّاد غير ناجحين، وأن الكثير من الفسّاق قطعوا أشواطا في النجاح، والسر كما ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى قد فصل بين قواعد النجاح في الدنيا وقواعد النجاح في الآخرة وجعل لكل مقدماته، فقد تتوافر مقدمات النجاح في العاصي والكافر، (كصلة الرحم، والإنفاق على الضعفاء بدافع الشفقة وغير ذلك( أو قد تتوافر أسباب النصر في الأمة أو الدولة الباغية (كمساعدة الشعوب الفقيرة والمنكوبة أو بناء المساجد بغرض الرياء والسمعة أو المصالح السياسية)، فيؤدي ذلك إلى نجاحهم في الدنيا، مع بقاء مصيره الأخروي المظلم.
وبالمثل، قد تتخلف هذه المقدمات عند المؤمن، أو عند الدولة أو الأمة المظلومة، لسبب من الأسباب (قلة العلم، الانشغال بعبادات أخرى(، فيؤدي ذلك إلى الفشل والهزيمة في الدنيا، إلا أن ذلك لا يغير من مصيرها الأخروي شيئا.
وإذا كان ذلك كذلك، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يصرفه واقع الحال المؤسف في هذا العصر، يجب أن لايصرفه عن ابتغاء أسرار النجاح في نصوص شريعته، لأنها تحتوي حتما على كل ما يحتاجه المرء من أسرار وخفايا، قال تعالى: “ما فرطنا في الكتاب من شيء”، وقال أيضا: “وَلَقَدْ صَرّفْنَا فِي هَـَذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ”.
صدق الله العظيم.
3ً. عن أنس بن مالك قال: “كان أخوان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم، والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: لعلك ترزق به”.
فحوى الحديث:
يتوهم الكثير من الناس أن ما يحققونه من نجاح أو كسب عائد إلى ذكائهم أو تفردهم، في حين أن السر الحقيقي الكامن وراء هذا النجاح وهذا الكسب، هو أفعال لا يلقون لها بالا، كإنفاقهم على ذويهم أو قرابتهم.
في هذا الحديث، اشتكى أحد المحترفين (أي الذين يعملون)، أخاه الصالح (الذي لربما أعيته الحيلة عن العمل(، وشكا له أنه ينفق عليه، فحذره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن كسبه ونجاحه لربما كان عائدا لأنه ينفق على أخيه، فإذا زال هذا السبب تناقص ذلك الكسب أو توقف !
فلينظر كل منا بمن يُرزَق، وما هي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الرزق، وهذا الحديث يفسر لكثير منا تفاوت مستوى نجاحهم وسعادتهم عبر مراحل حياتهم، أو التغيرات المفاجئة التي تطرأ على عافيتهم ورزقهم.
4ً. قال تعالى:”فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ارحامكم”. سورة محمد (ص).
وهذه الآية من الآيات التي عم أثرها وجم وعيدها، وبات أثرها يطال معظم المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنه من أخطر البلاء ما جهل صاحبه أنه مبتلى به، كالبلاء في الدين والعقل والبصيرة والفقه، نسأل الله العافية لنا وللمسلمين من ذلك كله.
وفي عصرنا هذا ماتت الغيرة، وصمت الآذان وعميت القلوب والأبصار، فقد رأيت المسلمين يسمعون كلام الله فلا يتحركون له، وقد رأيتهم كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن ا لمنكر فقيل له: ويكون ذلك يا رسول اللّه؟ قال (ص) : نعم. فقال: «كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف، فقيل له: يا رسول اللّه (ص) ويكون ذلك؟ فقال: نعم، وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟».
هذا ما حل بأمة الإسلام، فأصبحت ترى من الموحدين من يرى المنكر معروفا والمعروف منكرا، ويتولى عدوها ويعادي وليها، وقد أصبح من المألوف أن ترى رجلا اليوم تملؤه الغيرة على نسائه وأمته ودينه، ثم تعود عيه من قابل فلا ترى لكل ذلك أثرا، وما ذلك إلا تحققا لهذه السنن الإلهية التي فصلها الله سبحانه في كتابه الكريم، وتأتي قطيعة لرحم في مقدمتها.
ويرحم الله القائل إن المسخ الذي ذكره القرآن العظيم في أكثر من موضع، لايعني كما يتوهم البعض أن يستيقظ المرء ويقف أمام المرآة ليجد أن صورته قد انقلبت إلى قرد أو خنزير والعياذ بالله، ولكنه المسخ القلبي والمعنوي، أي في التحول إلى قردة وخنازير في العقل والمشاعر عافانا الله والمسلمين من كل ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم وهو الذي يهدي السبيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
5ً. قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): “أَسْرَعُ الْخَيْرِ ثَوَابَاً، الْبِرُّ وَصِلَةُ الرَّحِمِ. وَأَسْرَعُ الشَّرِّ عُقُوبَةً، الْبَغْيُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ”.
6ً. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك”.
نلاحظ في هذا الحديث:
قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “لما خلق السموات والأرض”، دل على أن هذه السنّة قد أودعها الله في مخلوقاته منذ اللحظة الأولى، فهي ليست كبقية المناسك التي لم تظهر إلا بعد خلق آدم، والذي كان بدوره بعد خلق السموات والأرض بفترة طويلة، ومنها ما لم يشرع إلا بعد خلق آدم بزمن طويل، إلا أن قانون الرحم خلافا لكل ذلك قانون أزلي مغرق في القدم، وهو متقدم حتى على الرسالات والرسل، وهذا أول مظهر من مظاهر تميز هذه الشعيرة وتفردها.
· أن الله أخذ العهد على نفسه وجعل صلة الرحم شرطا لصلة ابن آدم وأجرى ذلك أبد الدهر.
· أن الحديث لم يميز بين مؤمن وكافر في هذا الخصوص، فصلة الإنسان لرحمه توجب صلة الله له (في الحياة الدنيا طبعا)، سواء كان مؤمنا أو كافرا وبالعكس، فإن قطيعة الإنسان لرحمه توجب قطيعة الله له كذلك إن كان مؤمنا أو كافرا، والجزاء من جنس العمل.
7ً. قال تعالى: “وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً”.
وهذا مظهر ثالث من مظاهر تفرد هذه الشعيرة المقدسة، وهو خاصية أفردتها النصوص الإسلامية للقرابة والرحم، إذ كلنا يعلم أن المقصد الأساسي للشريعة الإسلامية هو التوحيد ونفي الشرك، وأن النصوص الإسلامية دأبت على التحذير من إشراك أحد مع الله في العبادة والشكر وغيرها من مظاهر العبادة، إلا أن صرامة النصوص الإسلامية كانت تتضاءل وتتساهل في حالة وحيدة هي حالة القرابة والرحم، فكثير من الآيات –ومنها الآية السابقة- عطفت الوالدين والأرحام على لفظ الجلالة بعد أفعال مثل “اعبدوا” و “اتقوا” و “لا تشركوا” و “اشكر” وغيرها، وليس ذلك إلا لمكانة هذه الشعيرة وأهميتها في الشريعة الإسلامية، وهو مؤشر واضح على أهمية التعامل مع هذه الشعيرة بحساسية بالغة. والرهبة من إيذائها وقطيعتها حتى وصل الأمر إلى حد الأمر باتقائها بآية واحدة مع تقوى الله. واتقاء الأرحام يكون بعدم أذيتهم أو التمادي في التعالي عليهم، أو بأي فعل يجر إليهم أذى أو مضرة.
قال تعالى:
“وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً”
“وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ ثُمّ تَوَلّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مّعْرِضُونَ”
“قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَوْلاَدَكُمْ مّنْ إمْلاَقٍ نّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ”
“وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا * إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً”. “أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيّ الْمَصِيرُ”. صدق الله العظيم.
8ً. جاء في لسان العرب في معنى الصلة:
“الوَصْل: ضد الهجران. والتَّواصُل: ضد التَّصارُم. وفي الحديث: مَن أَراد أَن يَطول عُمْره فَلْيَصِلْ رَحِمَه، تكرّر في الحديث ذكر صِلة الرَّحِم؛ قال ابن الأَثير: وهي كِناية عن الإِحسان إِلى الأَقرَبين من ذوي النسَب والأَصْهار والعَطف عليهم والرِّفْق بهم والرِّعاية لأَحْوالهم، وكذلك إِن بَعُدُوا أَو أَساؤوا، وقَطْع الرَّحِم ضدُّ ذلك كلِّه. يقال: وَصَل رَحِمَه يَصِلُها وَصْلاً وصِلةً، والهاء فيها عِوَض من الواو المحذوفة فكأَنه بالإِحسان إِليهم قد وَصَل ما بينه وبينهم من عَلاقة القَرابة والصِّهْر. وفي حديث جابرٍ: إِنه اشترى مِنِّي بَعيراً وأَعطاني وَصْلاً من ذهَب أَي صِلةً وهِبةً، كأَنه ما يَتَّصِل به أَو يَتَوَصَّل في مَعاشه. ووَصَله إِذا أَعطاه مالاً. والصِّلة: الجائزة والعطيَّة.”
ثالثا:التسديد هو الفيصل
استتماما لما ورد في المقدمة، فإن العبرة في الوصول للهدف إنما يكون بالتسديد لا بالمشقة، إذ أن أقل الأفعال إن كانت مسددة كافية لإيصال الساعي إلى هدفه، وبالعكس فإن كثرة المشقة لا تغني في غياب التسديد شيئا.
وكي نوضح هذه الفكرة نتذكر صورة التاجر الذي يمضي بضعة دقائق يوميا لإنجاز صفقات ناجحة عبر الهاتف والانترنت، ونقارنها بصورة التاجر أو العامل الذي يمضي كل يومه في المشقة وتكون حصيلة جهده المزيد من الخسارة. فرق كبير بين الجهدين، والفيصل دائما هو التسديد، كما أترك لكل قارئ أن يستوحي من محيطه ومجتمعه أمثلة أخرى لذلك كله. ويمكن أن نقول أن التسديد ما هو إلا إرشاد الله تعالى عبده للفعل المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب بالطريقة المناسبة.
لقد كان لفكرة التسديد القول الفصل عبر العصور في حسم مختلف القضايا، ولو عدنا للمعارك الإسلامية في صدر الإسلام، لوجدنا أن المسلمين لم ينتصروا بعدد أو عدة –على أهمية إعداد العدة – ولكن الظروف المحيطة كان لها أبلغ الأثر في حسم المعارك، وهذه القاعدة تطبق على الطالب في جامعته، والتاجر في متجره وهكذا.
والحديث عن التسديد لا يقتصر على السعي الدنيوي، بل ينطبق يمتد ليشمل السعي الديني أيضا، فقد أخبرت السنة الشريفة أن الرجل “ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة”. (رواه البخاري.
فالتسديد مطلوب، وقال صلى الله عليه وآله وسلم”: ألا أنبئُكمْ بخيرِ أعمالكُمْ وأزكاهَا عندَ مليكِكُمْ وأرفعها في درجاتكمْ وخير لكمْ مِن إنفاقِ الذَّهبِ والورقِ وخيرٍ لكم من أنْ تلقُوا عدوَّكمْ فتضربُوا أعناقهُم ويضربوا أعناقكُم؟ قَالَوا بلى، قَالَ ذِكرُ اللَّهِ” رواه الترمذي.
وهو دليل على أن قيمة الأعمال لا تقاس بالمشقة بل بماهية هذه الأعمال، إذ أن الذكر أسهل من الجهاد إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن الذكر خير وأزكى وأرفع في الدرجة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال تعالى: “وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَىَ * وَالنّهَارِ إِذَا تَجَلّىَ * وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ والأنثى * إِنّ سَعْيَكُمْ لَشَتّىَ * فَأَمّا مَنْ أَعْطَىَ وَاتّقَىَ * وَصَدّقَ بِالْحُسْنَىَ * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىَ * وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ * وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدّىَ * إِنّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىَ * وَإِنّ لَنَا للآخرة والأولى * فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظّىَ * لاَ يصلاها إِلاّ الأشْقَى * الّذِي كَذّبَ وَتَوَلّىَ * وَسَيُجَنّبُهَا الأتْقَى * الذي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكّىَ.(الليل 1 – 18 )
صدق الله العظيم
والقاعدة التي تقررها السورة الكريمة السابقة:
يختلف الناس في مساعيهم، إلا أن مدى نجاح الأفراد والجماعات في بلوغها أهدافها – على اختلافها – يتحدد بمعيار رئيسي هو مقدار عطائهم (إنفاقهم).
ولعل من أكثر النصوص تكاملا ًمع السورة الكريمة، ما رواه ابن ماجة في سننه عن عَن جابر بْن عَبْد اللّه أنه قَالَ: خطبنا رَسُول اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمْ فقال (أيها الناس! توبوا إلى اللَّه قبل ان تموتوا. وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا. وصلوا الذي بينه وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا(. رواه ابن ماجة.
فالإنفاق والذكر هما جناحا الإنسان في رحلته نحو السعادة والنجاح.
وأهم وجوه الإنفاق:
· ذوي القربى.
· اليتامى.
· المساكين.
· ابن السبيل.
· الجار.
· الصاحب.
· السائل.
· بناء المساجد.
· نشر العلم.
· مساعدة الضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة.
· المشاريع الخيرية والصحية.
· الصلحاء والعلماء.
وأما أهم وجوه الذكر فهي:
· أفضل الذكر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
· الاستغفار.
· التسبيح (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم(.
· الحمد.
· الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
· لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
· تلاوة القرآن.
· أذكار الصباح والمساء.
ملاحظة(1): ذكرت السورة الكريمة معيارين آخرين إضافة للعطاء، وهما “اتقى” و”صدق بالحسنى”، وهما لا يخرجان عن معنى العطاء بل يندرجان تحته على النحو التالي:
أما “اتقى” فقد عرفت الآية 19 من نفس السورة الأتقى بأنه “الذي يؤتي ماله يتزكى”، كما أن الآية 11 من نفس السورة بينت أن موضوع الآيات السابقة ينحصر في المال وحده دون غيره، وأخيرا فإن الواو في مستهل الآية الثامنة قد عطفت ثلاث معكوسات على بعضها “أعطى ،بخل” “صدق بالحسنى ،كذب بالحسنى””اتقى ، استغنى”، فدل على أن اتقى في هذه الآية هي فعل الاتقاء وأما عكس فعل “اتقى، “تقوى” هو “عصى” وليس “استغنى”، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما “صدق بالحسنى”، قال الطبري في تفسيره: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فقال بعضهم: معنى ذلك: وصدّق بالخلف من الله, على إعطائه ما أعطى من ماله فيما أعْطَى فيه مما أمره الله بإعطائه فيه. فعن ابن عباس: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: أيقن بالخلف.و عن عكرِمة فأمّا مَنْ أعْطَى واتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: بالخلف.وكذا عن مجاهد: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال بالخلف.” وكذا أيضا في تفسير ابن كثير والقرطبي. والله تعالى أعلم وهو سبحانه يهدي السبيل.
ملاحظة(2): قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “أيها الناس”، بيان بأن الخطاب موجه إلى كل الناس، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، ولذلك دلالة سوف نتحدث عنها في القاعدة التالية.
رابعا: الاستخلاف والاستبدال
المقصود بالاستخلاف: هو انتقاء فرد أو جماعة ليتولوا تكليفا أو ميزة معينة (أرض، ثروة، مال، منصب ، علم، رسالة… إلخ)، فهو خليفة أو مستخلف عليها، قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً”. البقرة الآية (30).
وأما الاستبدال – فهو عكس الاستخلاف – أي: انتزاع هذه الميزة أو التكليف من الخليفة الأصل واستخلاف آخر عليه.
ومنذ الأزل كانت عناصر بشرية معينة، جماعات أو أفراد، تتولى التحكم في أرجاء معينة من الأرض، أوتتمتع بسلطة عليها، أو تمتلك ميزة معينة، ثم تأتي أقوام أو أفراد أخرى لتزيحهم عن ميزتهم وتبادرها بدلا عنهم، بل إن التاريخ الإنساني في مفهومه ليس إلا جماع هذا التجاذب والتبادل في الأدوار، وهذا الصعود والنزول غير المتوقف وغير المنتهي إلا بانتهاء الوجود البشري وتوقفه. وإن وجود نصوص تنظم هذا التداول أو تضع المعايير له، لخليقة بأن يهتم الباحث بها أو أن يبذل في فهمها شيئا من وقته، حيث أن فهمها سيكون له أبلغ الأثر في تحديد مصيره أو مصير من حوله.
قال تعالى: “هَا أَنتُمْ هَـَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَمِنكُم مّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنّمَا يَبْخَلُ عَن نّفْسِهِ وَاللّهُ الْغَنِيّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم”. (سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآية(38)).
والقاعدة التي تقررها الآية، يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
– أن الإنفاق في سبيل الله (أي الإنفاق في الأوجه التي شرعها الله والتي حددتها الآية الكريمة: “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ” (البقرة الآية 215.)، هو من أهم المعايير التي أرساها ربنا لحركة الاستخلاف والاستبدال.
– أن هذا المعيار مستقل عن المعايير الأخرى التي جاءت بها الشرائع (كالإيمان والصلاة الصوم…)، ويتجلى هذا الاستقلال في صورتين:
· أن وجود الإنفاق كافٍ للاستخلاف حتى في غياب الأوجه الأخرى. وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليعمّر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم, قيل وكيف ذلك يا رسول الله قال بصلتهم لأرحامهم”، أي أن الجوانب العقائدية ليست شرطاً لقطف ثمرة الأعمال الصالحة في الحياة الدنيا حتى وإن أتت من أقوام غير مؤمنة أصلا.
· أن غياب الإنفاق يؤدي للاستبدال حتى في حال وجود الخصال الأخرى وكمالها، أي حتى ولو أتى من أقوام عابدة ومؤمنة، وهو ما يؤيده السياق الذي أتت به الآية الكريمة والآيات السابقة لها: “إِنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ. (سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآيات 36-37.)، كما تؤيده الآية الكريمة: (وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِين” ( البقرة 195)، فقد جاء في تفسير ابن كثير : عن ابن عباس, في قوله تعالى: “وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، قال: ليس ذلك في القتال, إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة, قال حماد بن سلمة: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم, فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله, فنزلت: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وقال الحسن البصري: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، قال: هو البخل.وجاء في تفسير الطبري: أن الأنصار كان احتبس علـيهم بعض الرزق, وكانوا قد أنفقوا نفقات, قال: فساء ظنهم وأمسكوا. قال: فأنزل الله: وأنْفِقُوا فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إلـى التّهْلُكَةِ قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم. وعن مـجاهد فـي قول الله: وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلـى التّهْلُكَة قال: تـمنعكم نفقةً فـي حقَ خيفةُ العَيْـلة. وعن عكرمة فـي قوله: وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلـى التّهْلُكَة قال: لـما أمر الله بـالنفقة فكانوا أو بعضهم يقولون: ننفق فـيذهب مالنا ولا يبقـى لنا شيء, قال: فقال أنفقوا ولا تلقوا بأيديكم إلـى التهلكة, قال: أنفقوا وأنا أرزقكم. وعن الـحسن فـي التهلكة, قال: أمرهم الله بـالنفقة فـي سبـيـل الله, وأخبرهم أن ترك النفقة فـي سبـيـل الله التهلكة.
خامسا: القواعد الإلهية للإخفاق والفشل
كما هو الحال بالنسبة للنجاح، فإن للفشل أيضا قواعده ومقدماته، وعند توافر هذه المقدمات فإن الإخفاق سوف يكون مصير الإنسان بالرغم من تحقق مقدمات النجاح، وقد تعرضت النصوص الإسلامية للفشل من خلال مفاهيم متعددة مثل: الخسف و الصيحة والريح العقيم والصاعقة … وهذه المفاهيم ليست خاصة بأمة معينة أو زمن معين، بل هي حقائق مستمرة نعيشها يوميا في حياة كل منا، فكل ما يصيب ابن آدم من مصائب وبلاء وحرمان هو نتائج لهذه السنن الإلهية التي أرساها ربنا منذ الأزل، وإن قصص فرعون وهامان وقارون وعاد وثمود وأصحاب الجنة وصاحب الجنتين وغيرها من القصص ما هي إلا أمثلة توضح هذه السنن الأزلية.
و لذلك فإنه حري بالمؤمن الحصيف أن يهب الكثير من وقته لهذه المفاهيم فيعقلها ويتدبرها، فإن في تدبرها أمانا من كثير من المصائب وضمانا لاستمرار نجاحه وبقاء سعادته، وبعدا عن زوال نعم الله عليه.
قال تعالى في أواخر سورة القصص:
“إِنّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىَ فَبَغَىَ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىَ عِلْمٍ عِندِيَ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ اللّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللّهِ خَيْرٌ لّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقّاهَآ إِلاّ الصّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الّذِينَ تَمَنّوْاْ مَكَانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنّ اللّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلآ أَن مّنّ اللّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(82).
صدق الله العظيم
خلاصة ما ذكرته الآيات الكريمة من مقدمات الخسف:
· البغي: وهذه المقدمة الأولى للخسف والملاحظ من ظاهر الآية أنها خصت البغي بأن أتبعته بكلمة “بقومه”، وإن أخطر البغي هو بغي الرجل على قومه وقرابته وعشيرته.
· الفرح: والفرح المبطر قد ورد ذمه في القرآن في كثير من المواضع من بينها “ذلك بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون”.
· قال إنما أوتيته على علم عندي: وهي نسبة القدرة إلى النفس لا إلى العليم القدير، وهو كقول عاد” فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة” فصلت الآية (15).
· الخيلاء: قال تعالى: “فخرج على قومه في زينته”، وفي هذه الآية أيضا، يشدد القرآن على مسألة القوم والعشيرة والقرابة. وكما ثبت في الصحيح عند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به, فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». وعن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه, فيدخل في قوله تعالى: “تلك الدار الاَخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين”، وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره, فإن ذلك مذموم, كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد” وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل, فهذا لا بأس به, فقد ثبت أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسناً ونعلي حسنة, أفمن الكبر ذلك ؟ فقال: “لا, إن الله جميل يحب الجمال”.
المنع يورث الحرمان.
قال تعالى:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
“إِنّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مّن رّبّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصّرِيمِ * فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُواْ عَلَىَ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لاّ يَدْخُلَنّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ * وَغَدَوْاْ عَلَىَ حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمّا رَأَوْهَا قَالُوَاْ إِنّا لَضَآلّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَ رَبّنَآ إِنّا كُنّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ * قَالُواْ يَوَيْلَنَا إِنّا كُنّا طَاغِينَ * عَسَىَ رَبّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَآ إِنّآ إِلَىَ رَبّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ” (القلم، الآيات 17-33))).
صدق الله العظيم
تخبر الآيات الكريمة بقاعدة هامة تحكم الكثير من الوقائع في حياتنا، يمكن تلخيصها كما يلي:
“إن المنع، أو نية المنع إذا حاكت في صدر الإنسان، فإنها تؤدي إلى حرمانه من النعمة التي منعها، أو منع لأجلها”.
وذلك كأن يمنع المرء فضل ماله أو ثماره، لأجل أولاده أو زوجته، فهنا إما أن يحرمه الله المال أو يحرمه الأولاد أو فضلهم، أو الزوجة أو إخلاصها ومودتها.
وكما فصلنا في القواعد السابقة، فإن مضمون القاعدة ليس قاصرا على أصحاب الجنان أو المزارع كما قد يبدو، بل إن المنع، أو نية المنع تنتج آثارها بالحرمان من التمتع بثمار النعمة، في أي موقف من مواقف حياتنا مهما دق أو عظم، وأترك القارئ الكريم لأن يعيد النظر في مختلف جوانب سلوكه ليتأكد أنه بريء من أي مظهر من مظاهر المنع، إذ أن شبح الحرمان جد مخيف، وحري بكل منا أن يتجنب أي مقدمات له.
أربع مقدمات لإهانة العبد وقدر الرزق عليه:
قال تعالى:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
“فَأَمّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعّمَهُ فَيَقُولُ رَبّيَ أَكْرَمَنِ * وَأَمّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّيَ أَهَانَنِ: كَلاّ بَل لاّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلاَ تَحَاضّونَ عَلَىَ طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التّرَاثَ أَكْلاً لّمّاً، وَتُحِبّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً” (الفجر).
صدق الله العظيم
نصوص أخرى:
قال تعالى:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
“وَاضْرِبْ لهُمْ مّثَلاً رّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئاً وَفَجّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنّ أَن تَبِيدَ هَـَذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىَ رَبّي لأجِدَنّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً** قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً * لّكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً * وَلَوْلآ إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللّهُ لاَ قُوّةَ إِلاّ بِاللّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فعسَىَ رَبّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مّن جَنّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مّنَ السّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً** وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىَ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُن لّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً * هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلّهِ الْحَقّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً” (الكهف(.
“فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَآءَتْهُمُ الرّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ اللّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبّنَا لأنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَأَمّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدّ مِنّا قُوّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّ اللّهَ الّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيَ أَيّامٍ نّحِسَاتٍ لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَخْزَىَ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبّواْ الْعَمَىَ عَلَى الْهُدَىَ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * وَنَجّيْنَا الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتّقُون). (فصلت(
بسم الله الرحمن الرحيم
“أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الّذِينَ جَابُواْ الصّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوْتَادِ * الّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَاد”.(الفجر(
صدق الله العظيم
مسألة:
هل توافر المقدمات أو القواعد السالف ذكرها – في شخص معين – هي المعيار الوحيد في تحديد رزقه أو انتصاره؟
نتذكر هنا أن ثمرة انتصار أي شخص أو رزقه لايقتصر عليه وحده بل يمتد ليشمل ذويه أو أنصاره أو أتباعه، فما يجنيه رب الأسرة ينعكس على بقية أفرادها من أبنائه وزوجته، وانتصار القائد يقطف ثمرته أتباعه وموالوه وهكذا، ولذلك فإن نجاح أي شخص لايتوقف على توافر مقدمات النجاح فيه وحده، بل وعلى مدى توافر هذه المقدمات في من عسى أن يقطف ثمرة هذا النجاح، ولذلك نجد النصوص الإسلامية لا تكتفي بصلاح الفرد بل تأمره بفعل ما بوسعه لإصلاح من حوله، لأن الجميع كل مرتبط، قال تعالى: “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ {214} وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {215} فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ {216} الشعراء.
صدق الله العظيم.
نصوص متفرقة ذات صلة:
· عن علي ابن أبي طالب (رض( قال: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير ، عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة ، فلا يرى نفسه للخير أهلا ، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق ، فإنها تدل على سبيل النجاح، فقام إليه رجل وقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم. رواه البيهقي.
· عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالَكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:”الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذي يُغْشَى، مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِير”ِ.وفي رواية: الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ. رواهما ابن ماجة.
· عن عائشة (رض)،أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:”إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار.”رواه أحمد.
· حدّثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ. حدّثنا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ ابْنِ هِلاَلٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ يُحْرِمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ”.
الخير: لفظ عام لكل ما ينفع الإنسان، والعرب تسمي المال خيرا.
· قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزيد في العمر إلا البر. ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها. رواه ابن ماجة.
· عن أبي كبشة الأنماري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال فأما الثلاث الذي أقسم عليهن فإنه ما نقَّص مال عبد صدقة ولا ظلم عبد بمظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله عز وجل بها عزا ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب قر وأما الذي أحدثكم حديثا فاحفظوه فإنه قال إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله عز وجل مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله عز وجل فيه حقه قال فهذا بأفضل المنازل قال وعبد رزقه الله عز وجل علما ولم يرزقه مالا قال فهو يقول لو كان لي مال عملت بعمل فلان قال فأجرهما سواء قال وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه عز وجل ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقه فهذا بأخبث المنازل قال وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لي مال لعملت بعمل فلان قال هي نيته فوزرهما فيه سواء.”رواه الترمذي.
رحم الله من أعان على نشرها
“فواللهِ لأنْ يَهدِيَ اللهُ بكَ رجُلاً خَيرٌ لكَ من أن يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَم”
صدق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
مدونة (لحياة أكثر سعادة)
https://successway.wordpress.com/
منتديات طريق النجاح الإسلامية
http://succ.hooxs.com/
w.kanjo@hotmail.com
google.load('search', '1', {language : 'ar', style : google.loader.themes.GREENSKY});
google.setOnLoadCallback(function() {
var customSearchControl = new google.search.CustomSearchControl('010906647972745305077:kbljgmfbxvg');
customSearchControl.setResultSetSize(google.search.Search.FILTERED_CSE_RESULTSET);
customSearchControl.draw('cse');
}, true);